القائمة الرئيسية

الصفحات

حق تقرير المصير ضرورة أمنية وسياسية

 



حق تقرير المصير  ضرورة أمنية وسياسية

يُعدّ حق تقرير المصير، في التجارب العالمية كما في التجربة الحضرمية، أكثر من مجرد بند قانوني أو مطلب سياسي؛ فهو يتحول إلى ما يمكن تسميته في الفقه الدولي بـ "الحق الضامن لعدم تكرار الإلحاق"، أي الحق الذي يحمي الشعوب من إعادة إنتاج الظروف التي تعرضت فيها للهيمنة أو الضم أو التذويب القسري. هذا المفهوم اكتسب أهميته مع نهاية الحقبة الاستعمارية في القرن العشرين، حين ظهر بوضوح أن الشعوب التي لم يُعترف لها بكيان سياسي مستقل أو بتمثيل ذاتي كانت أكثر عرضة لإعادة السيطرة عليها من قوى أخرى، سواء باسم الوحدة أو باسم حماية الأمن أو باسم الأنظمة الثورية.

وإذا قلبنا صفحات التاريخ الدولي، نجد أن تطبيقات هذا الحق ظهرت في مناطق متعددة، مثل انعتاق دول أوروبا الشرقية بعد سقوط الاتحاد السوفيتي، واستقلال دول إفريقية وآسيوية بعد تصفية الاستعمار، وانفصال دول كجنوب السودان وتيمور الشرقية حين اعتُبر الضمّ الذي تعرضت له غير قانوني أو مخالفاً لإرادة سكانها. وفي كل تلك الحالات، لم تُطرح مسألة تقرير المصير بوصفها مساحة لصدام سياسي، بل بوصفها ضرورة قانونية لضمان عدم تكرار الظلم، ولمنع العودة إلى الأنماط نفسها من الهيمنة التي أدت إلى الصراعات والانهيارات.

وهنا تحديداً يتصل هذا الفصل اتصالاً مباشراً بالتجربة الحضرمية.
فالحضارم لا ينظرون إلى تقرير المصير باعتباره محاولة للانفصال عن كيان قائم، بل باعتباره حقاً تاريخياً لحماية حضرموت من تكرار تجارب الإلحاق التي تعرضت لها في 1967، ثم في 1990، حين قُدمت في كلا المرحلتين كملحق سياسي واقتصادي لا يمتلك إرادته، ولم يكن شريكاً في صياغة مستقبله. من هنا يكتسب هذا الحق في الوعي الحضرمي بعداً استراتيجياً، لأنه ليس مجرد مطالبة بتغيير شكل الدولة، بل مطالبة بالضمانات التي تمنع أي قوة سياسية – شمالية كانت أو جنوبية – من تكرار نمط السيطرة الذي دمر البنية السياسية والاجتماعية الحضرمية خلال العقود الماضية.

ويدرك الحضارم، من خلال تجاربهم، أن الإلحاق لا يتم دائماً بالدبابات وحدها، بل قد يتم أيضاً عبر تسويات سياسية تُصاغ بعيداً عنهم، أو من خلال تحويل ثرواتهم ومواردهم إلى أدوات لتمويل مراكز نفوذ خارجة عن حضرموت، أو عبر تغييب التمثيل الحقيقي لهم في مؤسسات الدولة. ولذلك، ينظرون إلى حق تقرير المصير بوصفه آلية أمان وطنية لا تقل أهمية عن أي ترتيبات أمنية أو سياسية أخرى، لأنه الحق الوحيد الذي يسمح لهم بالتحكم النهائي في شكل علاقتهم مع الأطراف الأخرى.

وتزداد أهمية هذا الحق في ظل الظروف الحالية، حيث ينهار المركز السياسي في اليمن شمالاً وجنوباً، وتظهر مشاريع متصارعة تريد كل منها أن تجعل حضرموت جزءاً من بنيتها الجديدة دون طرح أي مشروع يضمن حقوق الحضارم أو يعترف بخصوصيتهم. وفي لحظة سياسية كهذه، يصبح الخوف من تكرار سيناريو الإلحاق مشروعاً وواقعياً، لأن التاريخ القريب لا يزال حاضراً في الذاكرة، من ضمّ 1967 القسري، إلى ضمّ 1990 غير التشاركي، إلى التهديدات العلنية اليوم بإعادة اجتياح حضرموت إذا ما طالبت بحقها في الحكم الذاتي.

لهذا السبب، يرى الحضارم أن حق تقرير المصير ليس مجرد "حق سياسي"، بل ضرورة أمنية تمنع تكرار الحروب والصراعات والاستبداد الذي عانوه سابقاً، وضرورة اقتصادية تحمي مواردهم من النهب المستمر، وضرورة ثقافية تحمي هويتهم من الذوبان داخل مشاريع لا تعترف بخصوصيتهم، وضرورة تاريخية لاستعادة موقع حضرموت الطبيعي ككيان يمتلك قراره، لا كملحق تُدار شؤونه من خارج حدوده.

وهكذا، يصبح حق تقرير المصير – في وعْي الحضارم – امتداداً منطقياً لفصل الحقوق القانونية، ومكملاً لفهم التجربة التاريخية، وأداة مركزية لبناء المستقبل. فهو الحق الذي يضمن ألا تتكرر الأخطاء الكارثية التي مرت بها حضرموت منذ منتصف القرن العشرين، ويُعيد صياغة العلاقة مع محيطها على أساس الشراكة لا التبعية، وعلى أساس الاعتراف المتبادل لا الهيمنة، وعلى أساس الاختيار الحر لا الإلحاق القسري.

وبذلك يتضح أن حق تقرير المصير، بمعناه الحضري، ليس مطلباً تفجّره اللحظة الراهنة، بل هو خلاصة قرن كامل من التجارب المريرة التي جعلت الحضارم أكثر وعياً من أي وقت مضى بأن حماية كيانهم تبدأ من حماية قرارهم.

المحامي صالح عبدالله باحتيلي النعماني - محام مترافع امام المحكمة العليا

author-img
هذه مؤسسة تهدف إلى حماية وتعزيز حقوق الإنسان واحترامها ونشر ثقافتها طبقاً للمعايير الدولية

تعليقات

مواضيع ذات صلة
التنقل السريع