القائمة الرئيسية

الصفحات

الأفضل حكم ذاتي في محافظة شبوة

 


الأفضل حكم ذاتي في محافظة شبوة

في هذه المحافظة كما في كثير من بقاع هذا الوطن المثقل بالجراح، يقف الإنسان مشدوهاً أمام مشهد يصعب تفسيره بالعقل أو تبريره بالمنطق. مشهد تنظيمات سياسية تُفرّط بكرامتها طواعية، وتتنازل عن حقها الطبيعي في تمثيل نفسها، لتتوسل الالتحاق بمشروع لا يريدها، ولا يعترف بها، بل يرفضها صراحةً ليل نهار.

 

نستغرب، بل نُصاب بالذهول، حين نسمع بعض الأصوات في محافظة شبوة تقول بكل خفة: نحن جزء من حضرموت، وتُسرف في الحديث عن هياكل تنظيمية مزعومة لما يسمونه “الإقليم الشرقي”، وكأن هذا الإقليم وُلد فعلاً على الأرض، وكأن حضرموت قد فتحت أبوابها لهم مرحّبة. والحقيقة المرة أن حضرموت قالت كلمتها بوضوح لا لبس فيه: لا نريدكم. انتهى الموضوع. لا يحتاج الأمر إلى بيانات إضافية ولا إلى خطابات مطوّلة.

 

المفارقة المؤلمة أن هؤلاء، بدلاً من أن يلتفتوا إلى محافظة شبوة، وإلى أهلها وحقهم المشروع في إدارة شؤونهم، يصرّون على حشر أنوفهم في حضرموت، متوسلين قيمة لا تأتي إلا من الآخر، كأن شبوة بلا تاريخ، ولا كرامة، ولا قدرة على الوقوف بذاتها. وكأن الاعتراف لا يُمنح إلا من الخارج، ولو كان ذلك الخارج رافضاً، محتقراً، نافراً.

 

لو قالوا بوضوح: نريد حكماً ذاتياً لشبوة، لما اعترض أحد. بل لكان ذلك مطلباً شريفاً، نابعاً من إرادة محلية، ومن حق أصيل لأي محافظة تريد أن تدير شؤونها وتحفظ كرامة أبنائها. لكن الأسلوب الملتوي، أسلوب “أدخلونا معكم يا حضارم، وإلا سنتآمر عليكم”، لا يمكن أن ينتج إلا مزيداً من الكراهية، ومزيداً من القطيعة، ومزيداً من الانكشاف الأخلاقي والسياسي.

 

وهنا لا يمكن تجاهل الجرح الأكبر في الذاكرة الحضرمية: مشاركة محافظة شبوة بخمسة ألوية عسكرية في الهجوم على حضرموت، دعماً للمجلس الانتقالي، في محاولة لفرض مشروع بالقوة، مشروع أراد كسر حضرموت وتدمير إرادتها ومحو خصوصيتها. هذا الفعل لم يكن تفصيلاً عابراً، بل خيانة سياسية وأخلاقية لا تسقط بالتقادم. فمن شارك في الاعتداء على حضرموت، لا يمكن أن يكون جزءاً من كيانها المستقبلي، مهما حاول تلميع صورته، أو إعادة كتابة الرواية.

 

المشكلة الأعمق أن كثيراً من الناس في شبوة يعيشون اليوم داخل وهمٍ كبير، وهم بيانات “مؤتمر شبوة الوطني” الذي يكرّر ليل نهار أن مشروع المحافظات الشرقية قد اكتمل، وأن الهياكل قد تشكّلت، وأن كل شيء بات جاهزاً. لكن على أرض الواقع، لا يوجد لهذا الكلام أي أثر حقيقي في حضرموت. القوى الحضرمية، وكذلك المهريّة والسقطرية، لا تحترم هذا الطرح، ولا تعترف به، ولا ترى فيه سوى محاولة فرض أمر واقع بالكلام لا بالفعل.

 

والأوضح من كل ذلك أن هناك إجماعاً حضرمياً ـ مهرياً ـ سقطرياً، لا يقبل التأويل: الإقليم يتكوّن من حضرموت، والمهرة، وسقطرى فقط. لا رابع لهم، ولا مجال لإقحام أي طرف آخر مهما كانت الضغوط أو المغريات أو الظروف.

 

الكرامة السياسية لا تُستجدى، والهوية لا تُستعار، والمشاريع الكبرى لا تُبنى على الوهم. من أراد مستقبلاً محترماً لشبوة، فليبدأ من محافظة شبوة، لا من أبواب حضرموت المغلقة. ومن أراد الشراكة، فليأتِ إليها نداً لا متوسلاً، ومن أراد الاحترام، فليحترم نفسه أولاً.

المحامي صالح النعماني – محام مترافع امام المحكمة العليا

author-img
هذه مؤسسة تهدف إلى حماية وتعزيز حقوق الإنسان واحترامها ونشر ثقافتها طبقاً للمعايير الدولية

تعليقات

مواضيع ذات صلة
التنقل السريع